ابن قيم الجوزية

616

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

يتهم خواطره . فلا يعد في ديوان الرجال . وقال أبو سليمان الداراني رحمه اللّه : ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما . فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين : الكتاب ، والسنة . وقال سهل بن عبد اللّه رحمه اللّه : كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء - طاعة كان أو معصية - فهو عيش النفس ، وكل فعل يفعله العبد بالاقتداء : فهو عذاب على النفس . وقال السري : التصوف اسم لثلاثة معان : لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب ، ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم اللّه . وقال أبو يزيد : عملت في المجاهدة ثلاثين سنة ، فما وجدت شيئا أشد عليّ من العلم ومتابعته ، ولولا اختلاف العلماء لبقيت ، واختلاف العلماء رحمة ، إلا في تجريد التوحيد . وقال مرة لخادمه : قم بنا إلى هذا الرجل الذي قد شهر نفسه بالصلاح لنزوره ، فلما دخلا عليه المسجد تنخع . ثم رمى بها نحو القبلة ، فرجع ولم يسلم عليه . وقال : هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكيف يكون مأمونا على ما يدعيه ؟ . وقال : لقد هممت أن أسأل اللّه تعالى أن يكفيني مؤنة النساء . ثم قلت : كيف يجوز لي أن أسأل اللّه هذا . ولم يسأله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ ولم أسأله . ثم إن اللّه كفاني مؤنة النساء ، حتى لا أبالي استقبلتني امرأة أو حائط . وقال : لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات إلى أن يرتفع في الهواء ، فلا تغتروا به ، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي ، وحفظ الحدود ، وأداء الشريعة « 1 » ؟ وقال أحمد بن أبي الحواري رحمه اللّه : من عمل عملا بلا اتباع سنة ، فباطل عمله . وقال أبو عثمان النيسابوري رحمه اللّه : الصحبة مع اللّه : بحسن الأدب ، ودوام الهيبة والمراقبة . والصحبة مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم : باتباع سنته ، ولزوم ظاهر العلم . ومع أولياء اللّه : بالاحترام والخدمة . ومع الأهل : بحسن الخلق . ومع الإخوان : بدوام البشر . ما لم يكن إثما . ومع الجهال : بالدعاء لهم والرحمة . زاد غيره : ومع الحافظين : بإكرامهما واحترامهما ، وإملائهما وما يحمدانك عليه . ومع النفس : بالمخالفة . ومع الشيطان : بالعداوة . وقال أبو عثمان أيضا : من أمّر السنة على نفسه قولا وفعلا : نطق بالحكمة ، ومن أمّر الهوى على نفسه قولا وفعلا : نطق بالبدعة . قال اللّه تعالى : وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [ النّور : 54 ] .

--> ( 1 ) وكل يدعي وصلا لليلى * وليلى لا تقر لهم بذاك ولقد كانت قريش تزعم أنها أحرص على التمسك بدين إبراهيم من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكذلك ذكر اللّه عن اليهود والنصارى : دعواهم أنهم أحق بالجنة من غيرهم . فقال : هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وأكثر من ترى اليوم من عباد القبور يقسمون جهد أيمانهم أنهم في خرافاتهم متمسكون بالكتاب والسنة . والجهمية كذلك يزعمون وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ أسأله أن يهدينا لما اختلف فيه ويرزقنا اتباع الكتاب والسنة حقا لا دعوى .